أبي منصور الماتريدي
443
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أو إذا كانت السماوات والأرضون والجبال مع طواعيتها لربها لا تقوم لها وأفزاعها بل تتقطع ، فكيف يقوم لها الآدمي الضعيف مع خبث عمله ، وكثرة مساوئه مع ربه ؟ ! . فيذكرهم هذه الأحوال ؛ ليخافوه ، ويهابوه ؛ فيستعدوا له ؛ فلهذا - والله أعلم - ذكرت الأحوال التي عليها حال ذلك اليوم ، ولم يبين متى وقته ؛ ولهذا ما لم يبين منتهى عمر الإنسان ؛ ليكون أبدا على خوف ووجل من حلول الموت به ؛ فيأخذ أهبته ، ويشمر « 1 » له ، ولو بين له كان يقع له الأمن بذلك ؛ فيترك التزود إلى دنو ذلك الوقت ، ثم يتأهب له إذا دنا انقضاء عمره . ثم إن الله - تعالى - ذكر أحوال القيامة في غير موضع ، وجعل ذلك مترادفا متتابعا في القرآن ؛ فيكون في ذلك معنيان : أحدهما : أن للقلوب تغيرا وتقلبا في أوقات ، فرب قلب لا يلين لحادثة أول مرة حتى يعاد عليه ذكرها مرة بعد مرة ، وحالا بعد حال ، ثم تلين ؛ فيكون في تتابع ذكر البعث والقيامة مرة بعد مرة إبلاغ في النذارة وقطع عذر المعتذرين « 2 » يوم القيامة . والثاني : أن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام ، وقد وقع الإسلام في قلوبهم موقعا ؛ فيكون في تكرار المواعظ تلقيح لعقولهم ، وتليين لقلوبهم على ما أكرمهم الله - تعالى - من الإيمان ، ونصرة رسول رب العالمين ؛ كقوله : وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [ الأنفال : 3 ] . وقوله - تعالى - : وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ : إما أن يكون انتثارها ؛ لأنها مجعولة لمنافع الخلق ، فإذا استغنى عنها أهلها فلا معنى لبقائها . أو لما جعلت زينة للسماء ، فإذا انفطرت السماء ، لم تحتج إلى زينة بعدها . وقوله - عزّ وجل - : وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ، قال قائلون : أي يفجر ماؤها في بحر واحد ، ثم يغور ماء ذلك البحر الذي اجتمعت « 3 » فيه المياه ؛ إما بما تنشفها الأرض ، أو تجعل في بطن الحوت الذي « 4 » ذكر أن الأرضين قرارها على ظهره ، أو في بطن الثور ، ثم يسوي الله - تعالى - الأرض كلها ؛ حتى لا يبقى فيها عوج ، ولا قعر ؛ فيبس « 5 » البحار بما شاء : إما بالجبال ، أو بغيرها .
--> ( 1 ) في ب : ويتشمر . ( 2 ) في أ : المعذورين ، وفي ب : المتعذرين . ( 3 ) في أ : اجتمع . ( 4 ) في أ : التي . ( 5 ) في ب : فيكنس .